د. عبد العزيز محمد قاسم

لجينيات ـ  شُدهت من الخبر الذي أورده موقع (الأمة اليوم)، وتناقلته عنها كثير من المواقع العنكبوتية؛ بأن بعض سلفيي مدينة (دماج) في منطقة (صعدة) اليمنية ناشدوا تنظيم (القاعدة) أن يهبّوا لنجدتهم من الحصار الحوثي الفاجر عليهم، وأدركت -إن صحّ الخبر- أن (هولوكست) حوثياً في قادم الأيام؛ ستجتث هؤلاء السلفيين في (دماج)، وأن الأخيرين لم يستنجدوا بـ(القاعدة) إلا وقد بلغ اليأس غايته في نصرة أحد لهم، وهم الذين لا يقارنون أبداً في المجال العسكري والقتالي ولا التسليح، بقدر أولئك الحوثيين المتمرّسين الذين تدعمهم إيران، وتسليحهم عالٍ.

المتخصص في الجماعات الإسلامية يدرك أن آخر فرقة يمكن أن يستنجد بها طلبة العلم السلفيين هؤلاء هم (القاعدة) وأتباعها، فتلك المدينة اليمنية (دماج) التي تقبع وحيدة في محيط حوثي أو زيدي بالشمال اليمني؛ لديها معارك (فتاوى) عديدة كفّروا فيها الحوثيين، وقد بنى فيها الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -أحد أشهر العلماء السلفيين- مدرسة (دار الحديث) المعروفة في وسط طلبة العلم، وتنتهج لوناً سلفياً يقوم على الطاعة المطلقة لولاة الأمر والحكام، وتحريم الخروج عليهم، وكان هؤلاء من أشدّ المدارس السلفية تشنيعاً على (القاعدة) وأدبياتها، وهم أمهر وأحذق من فكّكوا الخطاب الشرعي الذي اعتمدت عليه تلك الفئة الضالة للخروج على الحكام.

نحمد الله تعالى أن هدنة أعلنت يوم أمس من قبل الحوثيين، ولينتظر إخوتنا الأيام المقبلة العصيبة، كي تسوى المسألة عندهم.

لـ(دماج) و (دار الحديث) قصص، ربما يحسن تسليط الضوء -ابتداءً- على هذا الشيخ اليماني الشهير الذي عاش بالمملكة، وارتبطت المدينة والمدرسة الشهيرة هناك باسمه، وقد سألت عنه قبل شهور فضيلة الشيخ الصديق عبداللطيف باشميل، وحكى لي قصته بالكامل، ذلك أن الوادعي أُخرج من المملكة إبّان أزمة الخليج في أوائل تسعينيات القرن الفارط، وقت استعانتنا بالقوات الغربية لطرد صدام حسين من العراق، وكان الرجل أحد العلماء السلفيين الذين لم يروا جواز ذلك، مخالفاً إجماع هيئة كبار العلماء بالسعودية، وانحاز لرؤية شيخه محمد ناصر الدين الألباني، وهاجم المملكة وولاة أمورنا بعد ذلك بسلسلة مقالات وأحاديث في دروسه العلمية.

ويشاء الله تعالى أن يمرض هذا العالم المتّسم بشدّته مع المخالفين – هو من ألّف كتاب (إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي)- ولم يجدوا له العلاج باليمن، وبتوسّطٍ من الشيخ محمد العثيمين -يرحمه الله- وافقت المملكة على علاجه في مستشفياتها، وهو ما يعيد رؤيتي بأن ثمة منهجاً توارثه ملوكنا عن الملك المؤسس -يرحمه الله- في إنجاد المكروب مهما كان انتماؤه، وكتبتها في مقالة وقتما استضفنا الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، فهاهو الشيخ مقبل الوادعي الذي هاجم ولاتنا، ونال وطننا بالسوء من القول، يقوم قادتنا بالتكفل بعلاجه، بل واستضافته على حسابهم في موقف نبيل يليق بهم، وقد توارثوه منهجاً، كابراً عن كابر، ومن مروءة الوادعي، أن سطّر ذلك في كتاب ألّفه قبل أن ينتقل لرحمة الله بوقت قصير، تراجع فيها عن تلك الآراء، وعنون كتابه بـ(مشاهداتي في المملكة العربية السعودية) قال فيها: ” ثم أدخلنا المستشفى وبقينا فيه نحو عشرة أيام وقالوا: الرحيل إلى الخارج يا أبا عبدالرحمن. خيراً إن شاء الله، وقدمنا إلى جدة واستُقبلنا في فندق الحمراء، فجزى الله الأمير نايفاً وزير الداخلية خيراً، وأكرمنا غاية الإكرام فجزاهم الله خيراً. وبعد ذلك طلبت مقابلته، فالحمد لله جلسة ممتعه، جلسة مع رجل عاقل، وإن ذاكرته في العلم وجدت عنده حصيلة لا بأس بها، فالحمد لله، بعد هذا يقول لي: أي دولة ترغب فيها، فنحن إن شاء الله نهيء لك الأمور هنالك. فأنا لا خبرة لي بهذا. قلتُ: أنتَ تختار. فاختار أمريكا، لأنها متقدمة في علاج الكبد، لم يسبقها أحد في ذلك”. وختم الشيخ الوادعي بكلمة قال فيها: “بقي إننا قلنا الحامل لنا على هذه الكلمة، هو أننا نرى أنه واجب علينا أن نقول الحق، هذا هو الواجب، وإلاَّ فوالله لم تدفعني مادة، ولم يدفعني أحد إلى ذلك. وأيضاً أنا بحمد الله لست ممن يغتر بالأقوال، ولكن أنا أتأثر من الأفعال، فرأيت أفعالاً حميدة مجيدة جزاهم الله خيراً، هذا الذي أتاثر به والله المستعان. هذا ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وقد كثر السؤال، هل أنت قد تراجعت عن كلامك في الحكومات؟ تراجعت عن كلامي على الحكومة السعودية جزاهم الله خيراً، أما ما عداها فلا”.

يحكي لي الشيخ فؤاد العمري وقد حضر ولازم الوادعي طيلة مكوثه في المملكة أثناء العلاج، بأن الأمير نايف قال للشيخ الوادعي: “والدنا الملك عبدالعزيز أوصانا بالعلماء، ونحن لم نفعل هذا معك إلا لوجه الله، وأما آراؤك فأنت ستسأل عنها أمام الله”. وتأثر الوادعي أيّما تأثّر بهذه المعاملة الكريمة، وهو ما جعله يكتب ما كتب إبراء لذمته.

(دار الحديث) السلفية في (دماج) اليمنية محاصرة، رغم إعلان الهدنة، ووسائل الإعلام العربية والعالمية تغفل عن مذابح قد يرتكبها الحوثيون ضدهم، والمدرسة تحوي نساء وأطفالاً وشباباً وكهولاً من كل أنحاء العالم، جاءوا لطلب العلم، يربون على الثمانية آلاف نسمة في تلك الدار، وللأسف لم يناصرهم أحد، وهم المعتزلون السياسة، المتفرغون لطلب العلم الشرعي، والواجب على الحكومة اليمنية مناصرتهم والدفاع عنهم، وهم الذين ظلوا مناصرين للدولة ولعلي عبدالله صالح ورافضين الخروج عليه، ولربما أتوجّه هنا بنداء إلى التيارات الإسلامية -خصوصاً حزب (الإصلاح) اليمني ذي التوجه الإخواني- أن الوقت وقت نبل وشهامة، وهنا تتبدى أخلاق الإسلام في نصرة المسلم لأخيه المسلم، فدعوا كل خلافاتكم التاريخية مع سلفية (دماج)، وهبّوا لنصرتهم، واستخدموا نفوذكم في الجيش والحكومة، فهم في النهاية سنّة أقرب إليكم من أولئك الحوثيين، وأسوأ ما سيكتبه التأريخ عليكم خذلانكم لإخوتكم في (دماج).

ما يجعلنا قلقين مما من تطورات الأمور هناك، أن منطقة (صعدة) تتماس مباشرة وخاصرتنا الجنوبية، وما يحدث هناك نتأثر به في المملكة، وسياستنا الرسمية هو عدم التدخل في شؤون الآخرين الداخلية، وهو ما يدعوني للطلب من علمائنا الأجلاء الدعاء لأخوتنا هناك، والتحرك المدني لنجدتهم عبر مخاطبة علماء اليمن بالتدخل، وإصلاح ما بينهم، وعلى زملائي الإعلاميين، والفضائيات الإسلامية، ضرورة التعريف بقضيتهم الإنسانية وما يعانونه.

 إن وقع (الهولوكست) الحوثي المتوقع لأخوتنا في (دماج) سنندم، ولات ساعة مندم على خذلاننا لهم.

بقلم: عبدالعزيز محمد قاسم

إعلامي وكاتب سعودي

الثلاثاء 06, ديسمبر 2011

http://www.lojainiat.com/index.cfm?do=cms.con&contentid=70639

(nahimunkar.com)

(Dibaca 145 kali, 1 untuk hari ini)